كيف تعيد المنافسة بين السعودية والإمارات تشكيل الحرب في اليمن

١٦ كانون الثاني ٢٠٢٦

منذ أن سيطرت جماعة الحوثيين على العاصمة اليمنية صنعاء في أيلول/سبتمبر ٢٠١٤، يشهد اليمن صراعًا مركبًا هو في الوقت نفسه حرب أهلية وحرب إقليمية بالوكالة. وقد أسهمت التدخلات العسكرية بقيادة السعودية والإمارات في آذار/مارس 2015 هذه الديناميكية، ما أدى إلى زج اليمن في صراعات إقليمية أوسع، أبرزها المواجهة بين إيران ودول الخليج.

لكن ما يظهر الآن هو دخول الصراع مرحلة أشدّ خطورة بكثير. فالانقسام العلني بين السعودية والإمارات داخل اليمن يهدد بتحويل الصراع اليمني إلى صراع إقليمي متعدد الأطراف، على نحو يشبه في بعض جوانبه الصراعات في ليبيا والسودان، وسوريا قبل سقوط الأسد، حيث تُستخدم الفصائل المحلية كأدوات لأجندات إقليمية متنافسة، بينما يتم – في أحسن الأحوال – تهميش المصالح الوطنية اليمنية. وبدلاً من الإسهام في احتواء الصراع، فإن تفاقم الخلاف بين السعودية والإمارات يهدد بتوسيع جبهات القتال، وتفاقم الانقسامات، وزيادة تهميش دور اليمن في تقرير مصيره.

يكتسب هذا التحول أهمية خاصة لأنه يشير إلى انهيار أحد الأركان الأساسية للتنسيق الإقليمي بشأن اليمن. فعلى الرغم من وجود خلافات بين السعودية والإمارات منذ سنوات، إلا أنها كانت تُدار، في الغالب، بهدوء وتُحتوى ضمن إطار تحالفٍ أوسع. غير أن التصعيد الأخير يشير إلى أن اليمن لم يعد مجرد ساحة معركة بالوكالة للصراعات الخارجية، بل أضحى فضاءً تتصادم فيها تلك الصراعات بشكل مباشر. وتتمثل نتيجة ذلك في صراع أكثر إقليمية من حيث أطرافه، وأكثر هشاشة من حيث توازناته، وأشد تعقيدًا من حيث فرص احتوائه أو التوصل إلى تسوية مستدامة له.

من التحالف إلى المواجهة

تطورت الخلافات بين السعودية والإمارات حول اليمن بشكل تدريجي طوال سنوات الحرب. فعلى الرغم من دخول البلدين معًا في الحرب عام ٢٠١٥ بهدف مواجهة جماعة الحوثيين، سرعان ما بدأت أولوياتهما الاستراتيجية بالتباعد في مرحلة مبكرة نسبيًا. إذ نظرت السعودية إلى اليمن في المقام الأول من منظور أمن حدودها الجنوبية، ومواجهة الحوثيين، والحفاظ على دولة يمنية موحدة في إطار حكومة معترف بها دوليًا. في المقابل، أعطت الإمارات العربية المتحدة أولوية متزايدة للسيطرة على الموانئ الاستراتيجية وخطوط الملاحة البحرية، وتنفيذ عمليات مكافحة الإرهاب نيابة عن الولايات المتحدة، والتأثير على جنوب اليمن من خلال حلفاء محليين.

أصبحت هذه الاختلافات أكثر وضوحًا بحلول ٢٠١٨-٢٠١٩. في عام ٢٠١٨، نشرت الإمارات قواتها للسيطرة على محافظة الحديدة من الحوثيين عبر حليفها المحلي، قوات المقاومة الوطنية بقيادة طارق صالح، ابن شقيق الرئيس السابق علي عبد الله صالح. بعد ذلك، أبرمت السعودية اتفاقًا مع الحوثيين، عُرف باسم اتفاق ستوكهولم، ما أدى إلى تجميد الجبهات بشكل فعال. هذه الخطوة، التي اتخذتها السعودية دون تنسيق مع الإمارات العربية المتحدة، حرمت أبو ظبي من فرصة تعزيز سيطرتها على الحديدة. في المقابل، بدأت الإمارات العربية المتحدة في عام 2019 في تقليص وجودها العسكري المباشر وتوطيد دعمها للقوات الانفصالية الجنوبية، ولا سيما المجلس الانتقالي الجنوبي، مما دفع السعودية إلى بذل جهود لاحتواء الانقسامات من خلال التوسط في اتفاق لتقاسم السلطة في نوفمبر ٢٠١٩ بين الحكومة اليمنية (المدعومة من السعودية) والمجلس الانتقالي الجنوبي (المدعوم من الإمارات العربية المتحدة) على أمل الحفاظ على وحدة المعسكر المناهض للحوثيين.

مع مرور الوقت، ترسخ هذا الاختلاف ليصبح انقسامًا هيكليًا، على الرغم من أن الخلافات كانت تُدار في الغالب بهدوء. مع تحرك السعودية نحو التهدئة والوساطة – مدفوعة بإرهاق الحرب والأولويات الاقتصادية – واصلت الإمارات ترسيخ شبكات الوكلاء ومناطق النفوذ الفعلية في جنوب اليمن.

مثلت محاولة المجلس الانتقالي الجنوبي المدعوم من الإمارات العربية المتحدة لتعزيز سيطرته على جنوب اليمن في أواخر عام ٢٠٢٥ والمضي قدمًا في مشروع انفصال الجنوب الانهيار النهائي للتعاون السعودي-الإماراتي بشأن اليمن. لطالما سعى المجلس الانتقالي الجنوبي إلى التراجع عن وحدة اليمن واستعادة دولة جنوبية مستقلة. ومع ذلك، دفعت سيطرته العسكرية على محافظات استراتيجية مثل حضرموت والمهرة في كانون الأول/ديسمبر ٢٠٢٥، المملكة العربية السعودية إلى التدخل المباشر. استهدفت الغارات الجوية السعودية مواقع المجلس الانتقالي الجنوبي، ونشرت الرياض قوات يمنية وسعودية على طول حدودها الجنوبية مع حضرموت. كما اتهمت المملكة العربية السعودية الإمارات علنًا بتقويض التعاون بين دول التحالف، وطلبت من الحكومة اليمنية أن تطالب رسميًا القوات الإماراتية بمغادرة اليمن في غضون ٢٤ ساعة. وأعلنت الإمارات العربية المتحدة على الفور انسحاب قواتها من اليمن.

بينما صورت السعودية تدخلها على أنه دفاع عن وحدة اليمن وسيادته، شكلت هذه الحادثة انفصالاً سياسيًا بين الرياض وأبو ظبي بشأن اليمن.

على الرغم من التدخل العسكري الأخير للسعودية وظهور هيمنة جديدة، من السابق لأوانه استنتاج أن نفوذ الإمارات في جنوب اليمن قد تراجع بشكل حاسم. لم تعتمد مقاربة الإمارات تجاه اليمن أبدًا على المواجهة العسكرية المفتوحة مع السعودية، بل على تنمية شبكات محلية دائمة، ونفوذ اقتصادي، وشراكات أمنية يمكن إعادة تفعيلها حتى في غياب وجود رسمي لقواتها. تحتفظ أبو ظبي بعلاقات قوية مع الجهات الفاعلة الرئيسية في الجنوب والشمال، وتتمتع بنفوذ على الموانئ والبنية التحتية البحرية، فضلًا عن امتلاكها القدرة المالية اللازمة لدعم حلفائها على المدى الطويل. في المقابل، تحد أولويات السعودية من قدرتها على الانخراط طويل الأمد في تعقيدات السياسة الداخلية لجنوب اليمن، وقد أظهرت التجارب السابقة أن مستوى اهتمامها باليمن غالبًا ما يكون قصير الأمد. علاوة على ذلك، وبصرف النظر عن السلفيين، فإن حلفاءها المحليين ضعفاء ويُنظر إليهم على أنهم فاسدون. تشير هذه التباينات إلى أنه في حين أن ميزان القوى قد تحول تكتيكيًا لصالح السعودية، فإن التنافس الكامن بين الرياض وأبو ظبي على مستقبل اليمن من المرجح أن يستمر، وأن يواصل تشكيل مسار الصراع بطرق قد تكون أقل وضوحاً، ولكنها لن تقل أهمية.

تفاقم فقدان اليمن لقدرته على تقرير مصيره

بالنسبة لليمنيين، ينطوي هذا التوسع في إضفاء الطابع الإقليمي على الحرب على عواقب وخيمة. إذ يسرع من تآكل الفاعلية السياسية لليمن واليمنيين، ما يجعل مستقبل البلاد يتشكل على نحو متزايد وفقاً للحسابات والمصالح الاستراتيجية للقوى الخارجية بدلاً من العمليات والحسابات السياسية الداخلية. كما أنه يعقد أي عملية سلام ذات مصداقية، بإضافة طبقة جديدة من التعقيد، وتقليص فرص بلورة إطار إقليمي متماسك لدعم التسوية، في وقت تعاني فيه المفاوضات التي تقودها الأمم المتحدة أصلا من تفكك مراكز السلطة وتداخل سلاسل القيادة.

على الرغم من أن الحوثيين لم يشنوا عمليات عسكرية للاستفادة الفورية من الانقسام بين خصومهم، فإن التطورات تعتبر مع ذلك مفيدة لهم من الناحية الاستراتيجية. بعد مرور عقد من الزمن على تدخل السعودية والإمارات في اليمن كشريكين وثيقين، أدى انقسام المعسكر المناهض للحوثيين إلى إضعاف الردع والتماسك على الأرض. وحتى لو اختار الحوثيون، في الوقت الحالي، ترك خصومهم يحفرون قبورهم بأنفسهم ، فلن يكون من المستغرب أن يسعوا في نهاية المطاف إلى الاستفادة من هذا الانقسام للتقدم عسكريًا، لا سيما في المناطق الحساسة استراتيجيًا مثل مأرب.

ولا تقل الآثار الاقتصادية على اليمن خطورة. إن الخلاف المطول بين السعودية والإمارات يهدد التمويل الإنساني والتزامات إعادة الإعمار في المستقبل. كانت الإمارات العربية المتحدة – بعد السعودية – من بين أكبر المانحين لليمن، لا سيما في الجنوب. وبالإضافة إلى السعودية، كان من المتوقع أن تلعب الإمارات دورًا رئيسيًا في إعادة الإعمار بعد الحرب، بعد أن شاركت بشكل مكثف في العمليات العسكرية التي دمرت البنية التحتية لليمن. الآن، يمكنها أن تتنصل من أي مسؤوليات طويلة الأمد في إعادة إعمار اليمن.

انتصارات قصيرة الأمد، ومخاطر طويلة الأمد

على الرغم من أن الفصائل المناهضة لمجلس انتقال جنوب اليمن داخل المجلس الرئاسي اليمني والحكومة اليمنية قد احتفلت ورحبت بالنكسة الأخيرة التي تعرضت لها الحركة الانفصالية، فإن ارتياحها من المرجح أن يكون قصير الأمد وغير مدروس. إن جهود السعودية لفرض الاستقرار من خلال السيطرة الأمنية المباشرة لا تتماشى مع الثقافة الاجتماعية والسياسية الديناميكية والمسيّسة في جنوب اليمن – أو حتى شمال اليمن في الواقع. كما أنها لا تسهم في حل مظالم الجنوب؛ بل إن قمع المجلس الانتقالي الجنوبي عسكريًا، خاصة في محافظاته التاريخية، ينطوي على خطر تعميق الاستياء وترسيخ المشاعر الانفصالية على المدى الطويل. منذ عام ١٩٩٤ واستخدام القوة من قبل مختلف الحكومات والأنظمة اليمنية لقمع قاعدة الاستقلال الجنوبية، لم يزد ذلك سوى في التزايد على مر السنين.

والأمر الأكثر إثارة للقلق هو ما يحل محل نفوذ المجلس الانتقالي الجنوبي في أجزاء من الجنوب. ففي معظم المناطق الساحلية، يتم استبدال وحدات المجلس الانتقالي الجنوبي بجماعات سلفية متشددة، ولاءاتها أيديولوجية أكثر منها وطنية. بل أن المحافظ الجديد لمحافظة عدن هو نفسه شخصية سلفية بارزة عارضت علنًا أي نشاط سياسي أو ممارسة للسياسة بشكل عام؛ بل إنه قاد في السابق حملات لطرد العمال اليمنيين الشماليين من المدينة.

العواقب الإقليمية خارج اليمن

لن يقتصر الانقسام السعودي-الإماراتي في اليمن على الأراضي اليمنية. بل سيتردد صداه في جميع أنحاء المنطقة: حيث سيشكل نهج البلدين تجاه فلسطين، ويؤثر على التعاون الخليجي بشأن مستقبل سوريا، ويؤثر على مسار الصراع في السودان، ويجبر القوى الإقليمية مثل مصر على اتخاذ خيارات استراتيجية غير مريحة.

على الصعيد الدولي، يهدد هذا الانقسام أيضاً بإنهاء ثابت هش، ولكنه مهم في حرب اليمن: الإجماع بين الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة. على مدى أكثر من عقد من الزمان، وحتى في خضم الانقسامات العميقة حول سوريا وليبيا، حافظت الدول الخمس الدائمة العضوية على توافقها بشأن اليمن – وهو توافق كان غالباً ما يعكس تفضيلات السعودية، ولكنه على الأقل كان يسمح للدبلوماسية الأممية والعمليات الإنسانية بالعمل.

هذا التوافق بدأ يتلاشى بالفعل. في عام ٢٠٢٥، اعترضت الصين على تجديد عضوية خبير أسلحة في فريق خبراء الأمم المتحدة المعني باليمن. مع اشتداد المنافسة بين السعودية والإمارات، ستواجه القوى الكبرى ضغوطًا متزايدة للاختيار بين شريكين اقتصاديين وأمنيين رئيسيين. من المرجح أن يعطي الكثيرون الأولوية للعلاقات الثنائية مع البلدين على حساب استقرار اليمن، بغض النظر عن التكاليف الإنسانية والسياسية التي يتكبدها اليمنيون. على أقل تقدير، ستمارس هذه الدول صمتًا استراتيجيًا تجاه أي أخطاء ترتكبها الدولتان تجاه اليمن في المرحلة المقبلة.

يُقبل اليمن على مرحلة صراع تتسم بقدر أكبر من التشرذم، وبطابعٍ إقليميٍّ أعمق، وبمستوى أعلى من التعقيد مما يجعل حلّه أكثر صعوبة. سيتحمل سكان اليمن في المقام الأول تكاليف هذا المسار، لكن آثاره المزعزعة للاستقرار ستتجاوز حدود اليمن.

ما لم تُسارع الأطراف الإقليمية إلى احتواء خصوماتها واستعادة حدٍّ أدنى من التنسيق بشأن الملف اليمني، فإن البلاد تواجه خطر التحول إلى الساحة المقبلة لمنافسةٍ طويلة الأمد بين القوى الكبرى في الشرق الأوسط، مع تبعاتٍ قد يستغرق إصلاحها أجيالاً.

تم نشر هذا المقال في مبادرة الاصلاح العربي

Naziha Baassiri

Award-winning Arabic-English translator based in Istanbul, Turkey. Naziha has 15 years of experience in translation, interpretation, transcription and subtitling, working with renowned news outlets on political, social and environmental stories.

Previous
Previous

تحليل مُعمّق: دور العراق الذي لم ينل حقه من التقدير في صعود الحوثيين في اليمن

Next
Next

عُمان وشرق اليمن وهشاشة هندسة الحياد