تحليل مُعمّق: دور العراق الذي لم ينل حقه من التقدير في صعود الحوثيين في اليمن

في أواخر العام الماضي، أثار الإدراج المفاجئ لحركة "أنصار الله" اليمنية المعروفة باسم الحوثيين وحزب الله اللبناني ضمن قائمة حكومية عراقية للمنظمات الإرهابية اهتمامًا كبيرًا. وبينما سارعت بغداد إلى التراجع عن هذا الإجراء، مصورةً إياه على أنه خطأ إداري، إلا أن هذه الواقعة كشفت عما هو أبعد من مجرد ارتباك بيروقراطي؛ إذ سلطت الضوء على الدور المعقد والمحوري، والذي غالبًا ما يتم التغاضي عنه، الذي لعبه العراق في نمو الحركة الحوثية، وعلى التشابك الاستراتيجي الهادئ الممتد لعقدين من الزمن بين الشبكات في بغداد وصنعاء.

إن فهم هذه العلاقة هو مفتاح لتوضيح ليس فقط المشهد المتغير للصراع في اليمن، بل أيضًا الديناميات الإقليمية الأوسع؛ بدءًا من حالة "محور المقاومة" وصولًا إلى التنافس العربي البيني في الخليج. وعلى وجه الخصوص، اكتسب مفهوم "التكامل الأفقي" داخل المحور اهتمامًا ملحوظًا في أعقاب الاضطرابات الأخيرة في إيران، وحالة الغموض التي تحيط بمستقبل الجمهورية الإسلامية في وقت تقف فيه طهران وواشنطن على شفا مواجهة عسكرية متجددة.

 تاريخ مشترك ومظالم متصورة

منذ أوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، تشكل التطور الأيديولوجي للحوثيين بفعل الصراعات الإقليمية. فقبل كل شيء، تقاطع هذا المسار مع مسار العراق بعد الإطاحة بالرئيس الأسبق صدام حسين في عام ٢٠٠٣ بقيادة الولايات المتحدة. فقد كان مؤسس الحركة اليمنية، حسين بدر الدين الحوثي (١٩٥٩-٢٠٠٤)، يرى في نظام البعث العراقي المناهض لإيران عدوًا جوهريًا. وتغيرت هذه الديناميات مع الغزو الذي قادته أميركا، والذي جعل من العراق رمزًا قويًا للمقاومة ضد الاحتلال الأجنبي؛ ما عزز السردية المناهضة للأجانب وللإمبريالية التي استخدمها الحوثيون في تمردهم الأول ضد الدولة اليمنية.

لقد تأثر الزعيم المؤسس للحركة الحوثية بعمق بالنضال ضد الاحتلال في العراق، وكان لهذا الأخير دور حاسم في تشكيل عقيدته اللاهوتية وما تلاها من مبررات للقتال داخل اليمن، وهو ما أدى مباشرة إلى حرب صعدة الأولى في عام ٢٠٠٤.

وبالتوازي مع ذلك، خلق الصعود السياسي للشيعة في بغداد مسارات جديدة للتفاعل. فقد انخرط رجال دين وقادة جماعات مسلحة في العراق مع الحوثيين قبل وقت طويل من تحول النفوذ الإيراني إلى التفسير السائد لهذا التقارب. وأصبحت مدينة النجف الأشرف العراقية، وهي مركز الحوزة العلمية للشيعة الاثني عشرية، جسرًا مبكرًا لهذا التواصل. وعلى الرغم من الاختلافات الفقهية بين الاثني عشرية والمذهب الزيدي الذي يتبناه الحوثيون، فإن الرمزية التي تمثلها النجف للهوية الدينية الزيدية ودورها كمركز لشبكات رجال الدين المرتبطة بالعراق سهّلت اتصالًا مبكرًا بين الدوائر الشيعية العراقية والحوثيين.

إن هذه الروابط التاريخية تسبق الكثير من الروابط المعروفة بين أنصار الله وإيران. وفي الواقع، وعلى غير عادتهم في التواجد الحذر والمتكتم خارج اليمن (كما هو الحال في إيران أو لبنان)، ينشر كثير من قادة وأعضاء الحوثيين صورًا لهم في النجف بشكل علني على منصات التواصل الاجتماعي.

ومع مرور الوقت، سهّلت هذه الشبكات والمشاعر المشتركة تبادلات دينية وسياسية واستراتيجية ساعدت في ترسيخ مكانة الحوثيين في المنطقة وعززت دور الجهات العراقية الفاعلة في اليمن منذ عام ٢٠٠٣؛ تارةً بشكل مستقل، وتارةً أخرى بالنيابة عن إيران.

 العمق الإستراتيجي والتحالف السياسي

لم تكن الروابط بين الحوثيين والفصائل الشيعية العراقية قائمة على أساس المعتقد المشترك فحسب، إذ تتقاطع الطموحات السياسية والقدرات العملياتية للجماعة اليمنية في جوانب عديدة مع شركائها العراقيين.

ففي أعقاب الغزو الذي قادته الولايات المتحدة للعراق، أصبح اليمن وجهة لأفراد عسكريين ومسؤولين بعثيين عراقيين نازحين، ويُعتقد أن بعضهم قام لاحقًا بتقديم المشورة والتدريب لقوات الأمن اليمنية. وعندما طالبت السلطات الجديدة في بغداد بتسليم مسؤولي النظام العراقي السابق، أُفيد بأنّ الرئيس اليمني آنذاك، علي عبد الله صالح (١٩٠٠-٢٠١٢)، رفض ذلك. ويقول مسؤولون عراقيون ويمنيون في مجالسهم الخاصة إن موقف صالح هذا لعب دورًا في تمهيد الطريق في نهاية المطاف لدعم عراقي أوسع للحوثيين، بما في ذلك السماح للجماعة بتأسيس تواجد لها في النجف ابتداءً من عام ٢٠٠٤.

وتصفيّةً لحسابات قديمة، وردت أنباء عن قيام الحوثيين بملاحقة وإعدام طيارين عراقيين كانوا قد فروا إلى اليمن، وذلك عند سيطرة أنصار الله على صنعاء في عام 2014. وصرح رشاد العليمي، رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني الحالي، الذي شغل منصب وزير الداخلية (٢٠٠١-٢٠٠٨) خلال خمس من الحروب الست بين صالح والحوثيين، لمؤلف هذا النص؛ بأن الحوثيين اغتالوا أيضًا طيارين ومستشارين عراقيين في اليمن خلال تلك الصراعات.

وعلى مدى العقد الماضي أو نحو ذلك، تعززت العلاقات بين الحوثيين والعراقيين بشكل أكبر. فقد قام عبد الملك الحوثي، الذي يتزعم الحركة اليمنية منذ مقتل شقيقه حسين الحوثي في عام 2004، بتعيين مبعوثَين خاصَين له إلى العراق حتى الآن، وهما: أحمد الشرفي، وسلفه محمد القبلي.

وعلى الرغم من النفي الرسمي، تشير التقارير إلى أن الحوثيين يحتفظون بشبكات تمثيلية وخيرية في العراق تعمل كقنوات لوجستية ومالية. ويقدر بعض المسؤولين اليمنيين والغربيين في مجالسهم الخاصة أن الدعم السنوي الذي تتلقاه أنصار الله من جهات عراقية فاعلة يصل إلى مئات الملايين من الدولارات. والجدير بالذكر أن وزارة الخزانة الأميركية حذرت في آب/أغسطس ٢٠٢٥ مصرف الرافدين العراقي من مغبة الاستمرار في معالجة مدفوعات نيابة عن الحوثيين.


كما أُفيد
بأن الجماعات الشيعية المسلحة في العراق، المنضوية تحت هياكل معترف بها من قبل الدولة مثل قوات الحشد الشعبي، قدمت تدريبات ودعمًا عملياتيًا، لا سيما مع تصاعد التوترات في البحر الأحمر والخليج خلال الفترة ما بين ٢٠٢٣ و ٢٠٢٥. وعلاوة على ذلك، يُعتقد أن العراق منذ الهدنة التي توسطت فيها الأمم المتحدة في اليمن في مارس/آذار ٢٠٢٢ كان بمثابة مركز رئيس لتهريب الوقود والغاز والأسلحة الإيرانية إلى الحوثيين عبر الموانئ العراقية واليمنية. كما تزعم تقارير أن مقاتلي الحوثي يتم تدريبهم واستضافتهم في عدد من القواعد العسكرية في العراق التي تديرها جماعات شيعية مسلحة مدعومة من إيران. ومن الملاحظ أن القائد العسكري الحوثي البارز، حسين عبد الله مستور الشعبل، قُتل في يوليو/تموز ٢٠٢٤ في غارة جوية أميركية استهدفت ما يُشتبه بأنها منشآت للطائرات المسيرة تسيطر عليها كتائب حزب الله في بلدة جرف الصخر.

لم يكن مقتل القائد الحوثي حادثة معزولة؛ ففي يونيو/حزيران ٢٠٢٤، أي في الشهر السابق للغارة الجوية  ووسط حرب غزة، أعلن الحوثيون عن تنفيذ هجوم منسق على إسرائيل بالاشتراك مع فصائل عراقية. وجاءت هذه العملية في أعقاب مكالمة هاتفية أُفيد بوقوعها بين زعيم الحوثيين وقائد كتائب حزب الله في أواخر مايو/أيار.

وفي مواجهة هذه العلاقات، حاولت الحكومات العراقية المتعاقبة ممارسة لعبة التوازن؛ حيث سعت لإدارة علاقاتها مع إيران والسعودية والولايات المتحدة، بالإضافة إلى الفصائل الداخلية، بينما كانت تتسامح مع نشاط الحوثيين على الأراضي العراقية، إن لم تكن تسهله بصمت.

وعندما سعت إيران في عام ٢٠٢١ لاستعادة جثمان مبعوثها في صنعاء، حسن إيرلو العضو المزعوم في الحرس الثوري الإسلامي، لعب رئيس الوزراء العراقي آنذاك، مصطفى الكاظمي، دورًا محوريًا في ترتيب عملية الإخلاء. إن ترتيب الكاظمي لعملية النقل عبر طائرة عراقية وبتنسيق سعودي، في وقت كان فيه التوتر بين الرياض وطهران في ذروته، عكس قدرة بغداد الكامنة كوسيط رغم تعقيدات سياستها الداخلية. وفي إشارة إضافية إلى تعقيد هذه العلاقات، ظهر رئيس الوزراء العراقي الأسبق عادل عبد المهدي في عام 2024 في مهرجان حوثي بصنعاء احتفالًا بيوم القدس العالمي. 

التداعيات على السياسة الإقليمية

تتطلب العلاقات بين الحوثيين والجهات العراقية الفاعلة إعادة تفسير للتحدي المتمثل في كيفية التعامل مع الجماعة اليمنية ضمن السياق الإقليمي الأوسع. إنها تذكير صارخ بأنه على الرغم من النكسات التي واجهها أعضاء "محور المقاومة" في السنوات الأخيرة، إلا أنهم لا يزالون يحتفظون بالقدرة على المناورة بين بغداد وبيروت وصنعاء وطهران، بالإضافة إلى العواصم العربية الخليجية؛ ما يسلط الضوء على استراتيجيتهم الشبكية المتأنية والعميقة والمراوغة. كما يظهر ذلك أن الحرب في اليمن هي مسرح لصراع إقليمي أوسع، وليست مجرد صراع داخلي معزول.

وعلى المدى القريب، فإن تعزيز علاقات الحوثيين مع الأطراف العراقية يتحدى ادعاءات الولايات المتحدة والحكومات الإقليمية بأن الحركة قد عُزلت بعد استهدافها للملاحة الدولية فيما تصفه بأنه تضامن مع الفلسطينيين في غزة. وتُعد أماكن مثل العراق ولبنان نموذجًا للتعاطف الشعبي والدعم الواسع الذي اكتسبته أنصار الله، حيث تظهر ملصقات الحوثيين بوضوح، ويسود شعور عام بالانبهار بالجماعة اليمنية في ضاحية بيروت الجنوبية.

لقد منح هذا الدعم الشعبي المتزايد في المنطقة الحوثيين غطاءً سياسيًا ضد الضغوط الدبلوماسية ما أدى إلى تزايد تهورهم، بل وحتى غطرستهم تجاه أي ترتيب لسلام مستدام في اليمن. وداخل "المحور"، تكثفت هذه المشاعر تجاه الحوثيين بشكل أكبر بعد اغتيال إسرائيل زعيم حزب الله، حسن نصر الله، في أيلول/سبتمبر ٢٠٢٤؛ تلك الشخصية التي كانت تمثل العراب الفعلي للأعضاء العرب في شبكة التحالف الإقليمي التي تقودها إيران.

أما بالنسبة للعراق، فإن الحكومة القادمة في بغداد تواجه خيارين: إما تبني دور أكثر فاعلية واستقرارًا يحدّ من نشاط الحوثيين على أراضيها وينأى بالبلاد عن الصراعات الإقليمية؛ أو تعميق سياسة التكيف الضمني، ما يؤدي إلى مزيد من التلاشي في الحدود الفاصلة بين الحوكمة المحلية والنشاط المسلح العابر للحدود. كما لا يزال المعنى الدقيق للخلاف الإماراتي السعودي الأخير في اليمن غير واضح بالنسبة لمحاولات بغداد لفرض نفسها في السياسة الإقليمية والعالمية.

وبغض النظر عن ذلك، فإن دور العراق — غير المُعلن ولكنه مؤثر — في صعود الحوثيين يمثل نموذجاً لنمط متكرر في الجغرافيا السياسية للمنطقة: فالصراعات ليست مترابطة فقط من خلال التحالفات الاستراتيجية الكبرى، بل عبر شبكات متداخلة من الأيديولوجيا، والروابط الشخصية، والتاريخ، والولاءات المتغيرة، والمشاعر المشتركة، فضلاً عن الضرورات الاقتصادية والاستراتيجية. وخلاصة القول، فإن المسرح اليمني، الذي طالما جرى تحليله من منظور الصراع بين إيران ودول الخليج العربية، لا يمكن فهمه بشكل كامل دون الاعتراف بكيفية قيام أطراف مثل الجماعات العراقية بتشكيل واستدامة مسارات نفوذ الحوثيين، مما يجعل هذا الدور خيطاً مركزياً في نسيج الديناميكيات الأمنية لشبه الجزيرة العربية والخليج.

نشر هذا المقال في امواج ميديا

Naziha Baassiri

Award-winning Arabic-English translator based in Istanbul, Turkey. Naziha has 15 years of experience in translation, interpretation, transcription and subtitling, working with renowned news outlets on political, social and environmental stories.

Previous
Previous

يمين دستورية في سفارة و ٣٥ وزيرًا: الحكومة اليمنية الجديدة

Next
Next

كيف تعيد المنافسة بين السعودية والإمارات تشكيل الحرب في اليمن