هل سيتحرك الحوثيون للدفاع عن إيران؟

يعدّ الحوثيون من أقرب الحلفاء الإقليميين المتبقّين لطهران، خصوصاً بعد تراجع نفوذ حزب الله في لبنان. مع ذلك، لا يبدو مؤكّداً حتى الآن أنهم سيتدخّلون عسكرياً رداً على الضربات الأميركية الإسرائيلية لمجرّد الدفاع عن إيران. 

استفادت الميليشيا اليمنية، المعروفة رسمياً باسم «أنصار الله»، لسنوات من دعم مالي وعسكري إيراني، شمل مساعدة من عناصر في الحرس الثوري الإسلامي وحزب الله. وساهمت طهران في تطوير قدراتهم الصاروخية وبرامج الطائرات المسيّرة، واستخدمت اليمن في مراحل مختلفة ساحةً للضغط غير المباشر على خصومها الإقليميين مع الحفاظ على هامش إنكار.

 لكن الحوثيين، بخلاف حزب الله الذي يعلن صراحة ارتباطه الأيديولوجي والتنظيمي بطهران، كانوا دوماً حذرين من الظهور بمظهر الوكيل الإيراني. ورغم أن علاقتهم بإيران كانت واضحة في كثير من الأحيان، فإنهم ظلوا شديدي الحسّاسية تجاه هذه التهمة. لا يوفّر اليمن لإيران العمق الديني أو الاجتماعي أو السياسي نفسه الموجود في لبنان أو العراق. بل إن الارتياب من النفوذ «الفارسي» متجذّر تاريخياً في المجتمع اليمني. وباستثناء دائرة أيديولوجية محدودة داخل جماعة الحوثيين، لا يحظى الانتماء العلني إلى إيران بقبول يذكر عند اليمنيين. لذلك اعتاد قادة الحوثيين النفي أو التقليل من حجم علاقتهم بطهران، والردّ بتشنج على وصفهم بأنهم أداة إيرانية. 

تبقى الحسابات الداخلية عاملاً حاسماً في أي قرار حوثي بالتصعيد. لا يمكن للحوثيين خوض حرب تبدو وكأنها تُخاض خدمةً لإيران فقط. فالهجمات السابقة على إسرائيل وعلى الملاحة في البحر الأحمر جرى تبريرها داخلياً باعتبارها تضامناً مع القضية الفلسطينية، وهي قضية تحظى بتعاطف واسع بين اليمنيين، حتى في أوساط خصوم الحوثيين. وفّر هذا الخطاب غطاءً سياسياً، أما التدخّل المباشر دفاعاً عن طهران فلن يلقى القبول الشعبي نفسه. 

إلى جانب ذلك، لا تزال الجماعة تتعافى من ضربات أميركية كبيرة تعرضت لها خلال العام الماضي، مما أضعف جانباً مهماً من بنيتها العسكرية. والدخول في مواجهة جديدة في هذا التوقيت ينطوي على مخاطر واضحة، خاصة في ظل سعي الحوثيين إلى تثبيت سيطرتهم على المناطق التي يديرونها، والحفاظ على تفاهمات هشة مع أطراف إقليمية، من بينها السعودية. 

في الوقت نفسه، لا يُعرف عن الحوثيين تجنّب المخاطر؛ فقد اعتادت الجماعة العمل في أجواء الحرب، واستخدمت الصراع للحفاظ على التعبئة الداخلية وتعزيز تماسكها الأيديولوجي وتأجيل تسويات سياسية صعبة، ويمكن للحرب أن تخدم حساباتها الداخلية. هذا لا يعني أنها ستتدخل تلقائياً، لكنه يعني أن التصعيد المحسوب يبقى خياراً مطروحاً، فقط إذا جرى تقديمه باعتباره دفاعاً عن النفس، لا تحركاً تضامنياً مع إيران. 

هناك عاملان قد يغيّران هذه الحسابات. الأول، وهو الأرجح، تعرّض الحوثيين لضربات عسكرية مباشرة؛ في هذه الحالة، قد يصبح التدخل مسألة بقاء أكثر منه قراراً سياسياً. أما العامل الثاني فيتعلق بوجود عناصر مرتبطة بإيران وحزب الله في اليمن؛ ففي السابق، أشارت تقارير إلى أن أفراداً على صلة بالحرس الثوري وحزب الله ساعدوا في إطلاق هجمات باتجاه السعودية، بل إنهم في بعض الأحيان دفعوا نحو تصعيد يتجاوز ما كان الحوثيون يفضّلونه. ورغم أن هذا الوجود تراجع بعد الانتكاسات الإقليمية التي تعرّض لها حزب الله، فإن استمرار أي نفوذ عملياتي لهؤلاء الفاعلين داخل اليمن قد يزيد من احتمالات الانجرار إلى التصعيد.

 إذا قرّر الحوثيون التصعيد، فلديهم أدوات ضغط مؤثرة. يمكنهم تهديد الملاحة في مضيق باب المندب، أحد أهم الممرات التي تربط البحر الأحمر بالتجارة العالمية، كما يستطيعون استئناف هجمات الطائرات المسيّرة والصواريخ على إسرائيل، أو استهداف منشآت عسكرية أميركية وبنى تحتية مرتبطة بالغرب ضمن نطاق قدراتهم.  

مثل هذه الخطوات لن تغيّر ميزان القوى بين واشنطن وطهران بشكل جذري، لكنها ستوسّع رقعة الصراع وترفع الكلفة الاقتصادية والأمنية والعسكرية على الولايات المتحدة وشركائها. 

لا يبدو مرجّحاً في الوقت الحالي أن يطلق الحوثيون حملة عسكرية فقط لأجل إيران؛ فقراراتهم تتأثر بالحسابات الداخلية وباعتبارات البقاء السياسي بقدر ما تتأثر بالتحالفات الإقليمية. وما لم يتعرّضوا لضغط مباشر، فمن المرجّح أن يضبطوا مستوى انخراطهم بعناية بدل الانزلاق إلى تصعيد مفتوح.

نشر هذا المقال في موقع بحر العرب

Naziha Baassiri

Award-winning Arabic-English translator based in Istanbul, Turkey. Naziha has 15 years of experience in translation, interpretation, transcription and subtitling, working with renowned news outlets on political, social and environmental stories.

Next
Next

يمين دستورية في سفارة و ٣٥ وزيرًا: الحكومة اليمنية الجديدة